عبدالوهاب خضر يكتب إلى قيادات عالم العمل والعمال العربية:"البحرُ من ورائكم والعدوُّ أمامَكم وليس لكم واللَّهِ إلا الصدقُ والوحدة والصَبْرُ"..ولا تتصارعوا بطريقة "أنا أؤمن بالحوار ..تناقشني أناقشك ..وتجادلني أجادلك..وتحاورني أحاورك..لكن تختلف معايا أذبحك"

خضر

وكالة أنباء العمال العرب : تابعت وعن قرب وبتأمل وتمعن مجموعة من اللقاءات المرتبطة بعالم العمل والعمال في بعض البلدان على مدار الاسبوع الماضي فقط ،وذلك في لبنان وفلسطين وتونس والاردن ،وخلال هذه الايام في العاصمة المصرية القاهرة

..وشاهدت ،وقرأت ،وسمعت تلك القرارات والتوصيات والكلمات التي دفعتني وبحماس الى كتابة هذا المقال الذي اجعل له عنوانا رئيسيا :"الصرخة بحجم الطعنة" ،فما تمر به منطقتنا العربية من ازمات وتحديات يتطلب حركة نقابية وعمالية صادقة وواعدة وتتحمل مسؤوليتها بجدارة ،وبما يليق بحجم الطعنات التي يتلقاها عمالنا العرب كل لحظة من إحتلال مستمر ،وربيع عربي افرز لنا إرهاب نعاني من تداعياته حتى كتابة هذه السطور ..الطعنات التي اتحدث عنها ويتلقاها "عمالنا" كل يوم  من تدمير لمصانعهم وشركاتهم ،وانهيار اقتصاديات بلدان بعينها يضع القيادات النقابية العمالية في موقف لا تحسد عليه ،خاصة وأن الطبقة العالمة تاريخيا وجغرافيا لعبت دورا مشرفا على مدار التاريخ في المقاومة والنضال والكفاح على كافة المستويات  بقيادة كوكبة من النقابيين المثقفين الصادقين ..قلمى لم يعد قادرا على الصمت لما اراه واسمعه من تفكك وتمزق وشرذمة اصابت بعض حركتنا النقابية والعمالية في ظهرها ،و"اللي ميشفش من الغربال يبقه أعمى" ..لم يعد هناك وقت اذن "للمواربة" والحديث "المتغطي" ،فالمباشرة هي اسلم طريق للصدق والنجاح ...فيا أيها النقابيون العرب : "البحرُ من ورائكم والعدوُّ أمامَكم وليس لكم واللَّهِ إلا الصدقُ والوحدة والصَبْرُ" ..ولم اقصد هنا بالعدو اي حركة نقابية او عمالية موازية ،ولا اتهم احدا بالخيانة مثلما فعلت في الماضي ،فقد كنت مخطأ في بعض الأوقات ،فإن العدو من الممكن ان يكون داخلنا نحن :" وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا "..

مساكين اذن "العمال العرب" في معظم بلداننا خاصة سورية والعراق وليبيا واليمن  ،بل ومسكين "عالم العمل" الذي يعج بالمشكلات والالام...فالبطالة حدث ولا حرج ..والمهاجرون يتزايدون ..والفساد للركب ..والإرهاب يحصد أرواح جنود الإنتاج ..والحركة النقابية ضعيفة  ومتصارعة حتى في داخلها..ونمتلك 70 مليون فقير..والملايين من العمالة غير المنتظمة ..ونقابات بلا عمال وعمال بلا نقابات ..وأجور لا تتماشى مع المعايير الدولية ...و تقول المعلومات الرسمية إن نسبة البطالة في صفوف الشبان العرب حتى سن الثلاثين عاما تتجاوز ثلاثين في المئة.. والاضطرابات ونقص الاستثمارات أديا الى زيادة عدد العاطلين عن العمل حتى وصل عدد العاطلين الى 25 مليون عاطل عربي ...و أن عددا كبيرا من حملة الشهادات لا يتمكنون من إيجاد عمل لأن اختصاصاتهم غير مطلوبة في القطاع الخاص.ولا ننسى هنا قول المدير العام لمنظمة العمل الدولية غاي رايدر  أن استمرار البطالة في صفوف الشبان العرب يهدد استقرار المنطقة، وقال إن "البلدان العربية أمام مهمة ملحة لا مفر منها تتمثل في التعامل مع أزمة البطالة الحادة.. وأن عدم تأمين فرص عمل كريمة (للشبان) يشكل تهديدا محتملا لاستقرار مجتمعاتنا".

وطبقا لمعلومات جامعة الدول العربية يصل عدد المهاجريين العرب بحثا عن لقمة العيش في الخارج  إلى نحو 35 مليون مهاجر يمثلون 12 بالمئة من عدد سكان الوطن العربي ..كما يجب الا ننسي تقرير المنظمة الدولية للهجرة وقوله ان عدد اللاجئين والمهاجرين العرب الي اوروبا عام 2015 فقط وصل الى مليون واحد وواحدة وطفل وطفلة ..

يحدث ذلك ولا زال الفساد ينخر في إجسادنا جميعا  ويدفع ثمنه العمال طبعا قبل الفئات الاخرى ،حيث تختلف التقديرات حول حجم "فاتورة" الفساد التي تسددها الدول العربية سنويًّا، فقدَّرتها "المنظمة العربية لمكافحة الفساد" بتريليون دولار، وهو ما يعادل ثلث الدخل القومي العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين، في حين تراوحت تقديرات "البنك الدولي" ما بين 300 إلى 400 مليار سنويًّا, كذلك كشفت "منظمة النزاهة العالمية" أن 36% من المواطنين العرب يضطرون لدفع رشاوى لمسئولين حكوميين.

يحاصر العمال العرب ايضا اثار "الربيع العربي" ،فهم ايضا ضحية الارهاب فأرواح العمال تحصد في سوريا وليبيا والعراق مثلا ويكفي ان نشير الى تقر الاتحاد العام لنقابات العمال السوري ان 5000 عامل قتلوا على يد جماعات الارهاب حتى الان ...فمناخ الربيع العربي يحاصر العمال العرب قلب الشعوب العربية وجنود الانتاج بسبب انهيار الاقتصاديات العربية  الذي تزايد بعد عام 2010 مع ما يسمي بالربيع العربي ،والذي وصلت  تكلفته الى 833.7 مليار دولار شاملةً تكلفة إعادة البناء وخسائر الناتج المحلي والسياحة وتكلفة اللاجئين وخسائر أسواق الأسهم والاستثمارات،فتقديرات خسائر الربيع العربي جاءت في تقرير "تكلفة الربيع العربي" الذي أصدره "المنتدى الاستراتيجي العربي"، وتناول التقرير بالأرقام نتائج هذه التداعيات وانعكاساتها السلبية على التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة. التقرير  استند على تحليل المعلومات الواردة في تقارير عالمية صادرة عن البنك الدولي، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا التابعة للأمم المتحدة ، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، والمركز التجاري العالمي التابع لمنظمة التجارة العالمية،ويكشف التقرير حجم التكلفة الكبيرة التي تكبدها العالم العربي نتيجة لأحداث الربيع العربي من خلال تغطية 9 محاور هي: الناتج المحلي الإجمالي، والقطاع السياحي، والعمالة، وأسواق الأوراق المالية، والاستثمار الأجنبي المباشر، واللاجئين، وإعادة بناء البنية التحتية المدمرة،ويشير التقرير إلى أن التكلفة التي تكبدها العالم العربي بفعل الربيع العربي بين العام 2010  الى الان وصلت إلى نحو 833.7 مليار دولار أميركي، بالإضافة إلى 1.34 مليون قتيل وجريح بسبب الحروب والعمليات الإرهابية، وبلغ حجم الضرر في البنية التحتية ما يعادل 461 مليار دولار أميركي عدا ما لحق من أضرار وتدمير للمواقع الأثرية التي لا تقدر بثمن، وبلغت الخسارة التراكمية الناجمة عن الناتج المحلي الإجمالي الذي كان بالإمكان تحقيقه 289 مليار دولار أميركي عند احتساب تقديرات نمو الناتج الإجمالي المحلي نسبةً إلى سعر صرف العملات المحلية،كما بلغت خسائر أسواق الأسهم والاستثمارات أكثر من 35 مليار دولار حيث خسرت الأسواق المالية 18.3 مليار دولار أميركي وتقلص الاستثمار الأجنبي المباشر بمعدل 16.7 مليار دولار أميركي.و انه ومن  اللافت أن التغير في اقتصادات دول الربيع العربي يختلف عن التغير الذي سجل في المنطقتين الجغرافيتين اللتين تنتمي إليهما هذه الدول، أي شمال أفريقيا وغرب آسيا، وبيّن التقرير أن عدم استقرار المنطقة والعمليات الإرهابية تسببت في تراجع تدفق السياح بحدود 103.4 مليون سائح عما كان متوقعاً بين 2010 و2016، وتسبب الربيع العربي بتشريد أكثر من 14.389 مليون لاجئ، أما تكلفة اللاجئين فبلغت 48.7 مليار دولار..

إن المسرح الراهن يا سادة لا يحتاج الى "ممثلين" بقدر ما يحتاج الى ان يتحمل كل منا مسؤوليته بصراحة ووضوح..إن المسرح الراهن يا سادة لا يحتاج الى "اللف والدوران" بقدر ما يحتاج الى تصفية النفوس والابتعاد عن "الشخصنة" وان تسود روح دعم العمل والنشاط الجيد حتى لو اختلفت شخصيا مع صاحبه ..ان المسرح الراهن يا سادة ليس في حاجة الى "التخوين" بقدر ما يحتاج الى الحوار الحقيقي والاتفاق على القضايا المشتركة والتنسيق في مواجهتها والمنافسة الشريفة بدلا من أن نتصارع على طريقة :"أنا أؤمن بالحوار ..تناقشني أناقشك ..وتجادلني أجادلك.. وتحاورني أحاورك.. لكن تختلف معايا أذبحك"!!

*بقلم رئيس تحرير وكالة انباء العمال العرب عبدالوهاب خضر .